أحمد بن يحيى العمري

64

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

على ضيفي وأشكره ، فقلت : إنه ذكرك فأحسن الذكر ، فهل أنت بارزة [ لي ] حتى أنظر إليك ، قالت نعم ، فلبست ثيابها ثم برزت ، ودعت لي بطرف ، وقالت : يا أخا « 1 » بني تميم ، والله ما ثوباك هذا بمشتبهين ، ودعت بعيبتها وأخرجت لي ملحفة مروية « 2 » مشبعة من العصفر ، ثم قالت : أقسمت عليك لتقومنّ إلى كسر البيت لتخلعنّ مدرعتك « 3 » ثم لتأتزرنّ بهذه الملحفة ، فهي أشبه ببردك ، فقمت ففعلت وأخذت مدرعتي بيدي فوضعتها إلى جانبي ، وأنشدتها الأبيات فدمعت عيناها ، وتحدثنا طويلا من النهار ، ثم انصرفت إلى إبلي بملحفة بثينة وبردة جميل ، ونظرة من بثينة . قال [ معبد ] فجزيت الشيخ خيرا وانصرفت من عنده ، وأنا أحسن الناس حالا بنظرة من الغريض واستماع غنائه ، وعلم بحديث جميل وبثينة ، فيما غنيّت أنا به ، وفيما غنّى به الغريض ، على حق ذلك وصدقه ، فما رأيت قط ولا سمعت بزوجين أحسن من جميل وبثينة ، ومن الغريض ومنّي . قال : قدم الوليد بن عبد الملك مكة فأراد أن يأتي الطائف ، فقال : هل من رجل عالم يخبرني عنها ؟ فقالوا : عمر بن أبي ربيعة ، قال : لا حاجة لي به ، ثم دعا فسأل فذكروه إياه ، فقال : هاتوه ، فأتوا به ، فركب [ ص 24 ] معه ، ثم جعل يحدثه ، ثم حول عمر رداءه ليصلحه على نفسه ، فإذا على ظهره أثر ، فقال الوليد : ما هذا الأثر ؟ فقال : كنت عند جارية لي ، إذ جاءتني جارية برسالة جارية أخرى ، فجعلت تسارّني ، فعضّت التي كنت عندها منكبي ، فما وجدت ألم عضتها من لذة ما كانت تلك تنفث في أذني حتى بلغت ما ترى ، فضحك الوليد ، فلما رجع عمر ، قيل له : ما الذي كنت تضحك به أمير المؤمنين ؟ قال :

--> ( 1 ) في الأصل : ( يا أخي ) . ( 2 ) الملحفة : اللباس الذي فوق اللباس من دثار البرد ونحوه ، ومروية : نسبة إلى مرو بلدة بفارس . ( 3 ) المدرعة : ضرب من الثياب ولا تكون إلا من الصوف خاصة ( اللسان : درع ) .